مسرحية "الهاربات" ترسّخ مكانة المسرح الجاد على ركح السيليوم

الصورة الرئيسية

مسرحية "الهاربات" ترسّخ مكانة المسرح الجاد على ركح السيليوم

 

حين نتصفّح المعلقات الرسمية للمهرجانات الصيفية المنتشرة في البلاد طولا وعرضا نجدها وقد غصّت بصور العروض التّجارية التي تستجيب لأذواق الأغلبية المطلقة من التونسيين الذين يبحثون عن ساعات يتخلصون خلالها من أعباء الضغط اليومي ، ضغط الروتين القاتل والمصاريف التي ترهق الجيوب وجدران المنازل التي تضيق بهم ويضيقون بها ، يبحثون عن فرص يمزقون فيها القيود و يطلقون فيها العنان للغناء والرقص والضحك وينسون فيها كل ما يؤرقهم .

لهذا تشتغل جل الهيئات المديرة المشرفة على هذه المهرجانات على خيارات تضمن هذا الحد الأدنى المطلوب منخرطة بذلك في قانون اللعبة الذي يعبر عنه المصريون بمقولتهم الشهيرة ( الجمهور عايز كده ) فيما تمايزت هيئة مهرجان القصرين الدولي نسبيا عن هذا الخيار بإدراج عروض مسرحية جادة للسنة الثانية على التوالي . فبعد مسرحية "رقصة سماء" التي عرضت خلال الدورة 44 على ركح سيليوم اختارت هذه السنة أن تدرج ضمن برنامجها مسرحية " الهاربات " لوفاء الطبوبي وهو عمل حائز على عدة جوائز وطنية وعربية من أبرزها التانيت الذهبي لأيام قرطاج المسرحية .

هذا العمل المسرحي الذي عرض مساء أمس الأحد 16 أوت 2026 وسط حضور جماهيري محترم يروي رحلة انتظار وسفر رمزية تخوضها ست شخصيات تمثل شرائح اجتماعية مختلفة : المعينة المنزلية و المحامية و الاستاذة والعاملة بمصنع الخياطة وجامعة القمامة والعامل بمصنع الكابل يجتمعون في محطة انتظار يحمل كلّ منهم همومه ومتاعب يومه وطموحاته التي لا تتحقق و يشتركون في البحث عن الخلاص .

ولعل من أبرز مايمكن أن يشدّ المشاهد للمسرحية سلاسة اللغة وبساطة مفردات الخطاب المستمد من معجمنا التونسي اليومي بالإضافة إلى نجاحها في الاعتماد على الجسد والحركة من خلال اللجوء إلى إيقاف الحوار في بعض المشاهد لتحلّ محله الحركة الجماعية أو الفردية المشحونة بالدّلالات كالقلق والخوف ويتحوّل فيها الضّوء من عنصر بصري إلى أداة لرسم المسارات لينتهي العرض بشعاع من الأمل في المستقبل. 

إجمالا ، لا يمكن بعد مشاهدة هذا العرض المتميز فكرة ونصا ومضمونا وأداء وسينوغرافيا وإخراجا إلا أن نشدّ على أيدي الهيئة في هذا الخيار الواعي الذي يستجيب لطموحات فئة عريضة من الجمهور لا تستهويها العروض التجارية ، بقدر ما تستهويها الأعمال الجادة التي تستدعي إعمال العقل والتفكّر والتأمل والتّحليل في انتظار أن يترسخ هذا الخيار الجاد في قادم الدورات.

 

لطفي هرماسي